سيد محمد طنطاوي
448
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - : وإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ ، فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ ، أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ . . . . ثم قال - سبحانه - : * ( وأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ ) * أي : وأشهدوا عند المراجعة لأزواجكم وعند مفارقتكم لهن رجلين تتوفر فيهما العدالة والاستقامة لان الإشهاد يقطع التنازع ، ويدفع الريبة ، وينفى التهمة . والأمر في قوله : * ( وأَشْهِدُوا ) * للندب والاستحباب في حالتي المراجعة والمفارقة ، فهو كقوله - تعالى - : وأَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ وهذا رأى جمهور العلماء . قال الآلوسي : قوله : * ( وأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ ) * أي : عند الرجعة إن اخترتموها ، أو الفرقة إن اخترتموها ، تبريا عن الريبة ، وقطعا للنزاع . وهذا أمر ندب كما في قوله - تعالى - : وأَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ . وقال الشافعي في القديم : إنه للوجوب في الرجعة . وزعم الطبرسي أن الظاهر أنه أمر بالإشهاد على الطلاق ، وأنه مروى عن أثمة أهل البيت ، وأنه للوجوب ، وشرط في صحة الطلاق . . « 1 » . وقوله : * ( وأَقِيمُوا الشَّهادَةَ لِلَّه ) * معطوف على ما قبله ، والخطاب لكل من تتعلق به الشهادة . والمراد بإقامة الشهادة : أداؤها بالعدل والصدق . أي : وعليكم - أيها المؤمنون - عند أدائكم للشهادة ، أن تؤدوها بالعدل والأمانة ، وأن تجعلوها خالصة لوجه اللَّه - تعالى - وامتثالا لأمره . والجملة الكريمة دليل على أن أداء الشهادة على وجهها الصحيح عند الحكام وغيرهم ، أمر واجب ، لأن الشهادة هنا اسم للجنس ، ولأن اللَّه - تعالى - يقول في آية أخرى : ولا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ ومَنْ يَكْتُمْها فَإِنَّه آثِمٌ قَلْبُه . . . . والإشارة في قوله - سبحانه - : * ( ذلِكُمْ يُوعَظُ بِه مَنْ كانَ يُؤْمِنُ بِاللَّه والْيَوْمِ الآخِرِ ) * تعود إلى جميع ما تقدم من أحكام ، كإحصاء العدة وعدم إخراج المطلقة من بيت الزوجية حتى تنتهي عدتها ، والحث على أداء الشهادة بالحق والعدل . والوعظ معناه : التحذير مما يؤذى بطريقة تؤثر في القلوب ، وتهدى النفوس إلى الرشد .
--> ( 1 ) راجع تفسير الآلوسي ج 28 ص 135 .